الغزالي

176

إحياء علوم الدين

كافة الخلق عليه إلا الراسخون في العلم ، فإنهم ونفوا على كنه معناه ، والكافة وقفوا على مجرد لفظه مع نوع تشبيه بقدرتنا ، وهو بعيد عن الحق ، وبيان ذلك يطول . ولكن بعض المقدورات مترتب على البعض في الحدوث ترتب المشروط على الشرط ، فلا تصدر من القدرة الأزلية إرادة إلا بعد علم ، ولا علم إلا بعد حياة ، ولا حياة إلا بعد محل الحياة ، وكما لا يجوز أن يقال الحياة تحصل من الجسم الذي هو شرط الحياة ، فكذلك في سائر درجات الترتيب . ولكن بعض الشروط ربما ظهرت للعامة ، وبعضها لم يظهر إلا للخواص المكاشفين بنور الحق ، وإلا فلا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا بالحق واللزوم وكذلك جميع أفعال الله تعالى . ولولا ذلك لكان التقديم والتأخير عبثا يضاهي فعل المجانين تعالى الله عن قول الجاهلين علوا كبيرا . وإلى هذا أخبار قوله تعالى * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ) * وقوله تعالى * ( وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ « 2 » ) * فكل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب ، وحق لازم ، لا يتصور أن يكون إلا كما حدث وعلى هذا الترتيب الذي وجد . فما تأخر متأخر إلا لانتظار شرطه ، والمشروط قبل الشرط محال ، والمحال لا يوصف بكونه مقدورا . فلا يتأخر العلم عن النطفة إلا لفقد شرط الحياة ، ولا تتأخر عنها الإرادة بعد العلم إلا لفقد شرط العلم . وكل ذلك منهاج الواجب ، وترتيب الحق ، ليس في شيء ممن ذلك لعب واتفاق ، بل كل ذلك بحكمة وتدبير وتفهيم ذلك عسير ، ولكنا نضرب لتوقف المقدور ، مع وجود القدرة ، على وجود الشرط مثالا يقرب مبادئ الحق من الأفهام الضعيفة . وذلك بأن تقدر إنسانا محدثا قد انغمس في الماء إلى رقبته فالحدث لا يرتفع عن أعضائه ، وإن كان الماء هو الرافع ، وهو ملاق له . فقدر القدرة الأزلية حاضرة ملاقية للمقدورات متعلقة بها ملاقاة الماء للأعضاء ولكن لا يحصل بها المقدور كما لا يحصل رفع الحدث بالماء انتظارا للشرط ؟ وهو غسل الوجه . فإذا وضع الواقف في الماء وجهه على الماء ، عمل الماء في سائر أعضائه ، وارتفع الحدث . فربما يظن الجاهل أن الحدث ارتفع عن اليدين برفعه عن الوجه ، لأنه حدث عقيبه

--> « 1 » الذاريات : 56 « 2 » الحجر : 85 ، 76